السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
363
مختصر الميزان في تفسير القرآن
على أن اقتناص الحكمة يتوقف على التذكر ، وأن التذكر يتوقف على العقل ، فلا حكمة لمن لا عقل له . وقد مر بعض الكلام في العقل عند البحث عن ألفاظ الإدراك المستعملة في القرآن الكريم . قوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ، أي ما دعاكم اللّه سبحانه اليه أو دعوتم أنفسكم اليه بإيجابه عليها بالنذر من بذل المال فلا يخفى على اللّه يثيب من أطاعه ويؤاخذ من ظلم ، ففيه إيماء إلى التهديد ، ويؤكده قوله تعالى : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ . وفي هذه الجملة أعني قوله : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ، دلالة أولا : على أن المراد بالظلم هو الظلم على الفقراء والمساكين في الإمساك عن الانفاق عليهم ، وحبس حقوقهم المالية ، لا الظلم بمعنى مطلق المعصية فإن في مطلق المعصية أنصارا ومكفرات وشفعاء كالتوبة ، والاجتناب عن الكبائر ، وشفعاء يوم القيامة إذا كان من حقوق اللّه تعالى ، قال تعالى : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إلى أن قال : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ ( الزمر / 54 ) ، وقال تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ( النساء / 31 ) ، وقال تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ( الأنبياء / 28 ) . ومن هنا يظهر : وجه اتيان الأنصار بصيغة الجمع فإن في مورد مطلق الظلم أنصارا . وثانيا : أن هذا الظلم وهو ترك الإنفاق لا يقبل التكفير ولو كان من الصغائر لقبله فهو من الكبائر ، وأنه لا يقبل التوبة ، ويتأيد بذلك ما وردت به الروايات : أن التوبة في حقوق الناس غير مقبولة إلا برد الحق إلى مستحقه ، وأنه لا يقبل الشفاعة يوم القيامة كما يدل عليه قوله تعالى : إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ إلى أن قال : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( المدثر / 48 ) .